الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
349
مختصر الامثل
إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا للَّهقرضاً حسناً ( والمراد منه الإنفاق في سبيل اللَّه وإنّما عبّر عنه بالإقراض لتحريك المشاعر وإثارتها لدى الناس قدراً أكبر ) فدخل رسول النبي إلى بيت مدارستهم ( حيث يتلقى اليهود دروساً في دينهم ) فوجد ناساً كثيراً منهم اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازورا فدعاهم إلى الإسلام والصلاة والزكاة ، فقال فنحاص : إن كان ما تقول حقّاً فإنّ اللَّه إذن لفقير ونحن أغنياء ، ولو كان غنياً لما استقرضنا أموالنا ! وهو يشير إلى قوله تعالى : « مَن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا » « 1 » . هذا مضافاً إلى أنّ « محمّداً » يعتقد أنّ اللَّه نهاكم عن أكل الربا ، وهو يعدكم أن يضاعف لكم إذا أنفقتم أضعافاً مضاعفة ، وهو يشير إلى قوله تعالى : « يُرْبِى الصَّدَقَاتِ » « 2 » . ولكن فنحاص أنكر أنّه قال شيئاً من هذه في ما بعد فنزلت الآيتان المذكورتان أعلاه . التّفسير تقول الآية الأولى : « لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ » . أي لو أنّ هؤلاء استطاعوا أن يخفوا عن الناس مقالتهم هذه فإنّ اللَّه قد سمعها ويسمعها حرفاً بحرف فلا مجال لإنكارها ، فهو يسمع ويدرك حتى ما عجزت أسماع الناس عن سماعها من الأصوات الخفية جدّاً أو الأصوات العالية جداً . ثم يقول سبحانه : « سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا » . أي إنّ ما قالوه لم نسمعه فحسب ، بل سنكتبه جميعه . إنّ المراد من الكتابة ليس هو ما تعارف بيننا من الكتابة والتدوين ، بل المراد هو حفظ آثار العمل التي تبقى خالدة في العالم حسب قانون بقاء « الطاقة - المادة » . ثم يقول : « وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ » . أي إنّنا لا نكتفي بكتابة مقالاتهم الكافرة الباطلة فحسب ، بل سنكتب موقفهم المشين جداً وهو قتلهم للأنبياء . وأمّا تسجيل وكتابة أعمالهم فلم يكن أمراً اعتباطياً غير هادف ، بل كان لأجل أن نعرضها عليهم يوم القيامة ، ونقول لهم : ها هي نتيجة أعمالكم قد تجسدت في صورة عذاب محرق ونقول : « ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ » .
--> ( 1 ) سورة الحديد / 11 . ( 2 ) سورة البقرة / 276 .